
اتقوا الله أيها المسلمون! وزودوا أنفسكم بالزاد، فرحلتنا طويلة. وتنافسوا في فعل الخير والعبادة، فهي من الطرق المؤدية إلى الجنة. قال الله تعالى: «والسباقون. يا أولئك الذين سبقوا! أولئك هم الذين سيكونون قريبين في جنات النعيم”.
يثني هذا البيت الكريم على أولئك الذين يبادرون بعمل الخير، ويرفع من مرتبتهم حتى يصلوا إلى مستوى المقربين، أي أقرب الناس إلى الله. ورُوي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتعلمون من سيكون أول من يدخل ظل الله يوم القيامة؟». فقالوا: «الله ورسوله أعلم». فقال: «أولئك الذين إذا قيل لهم الحق قبلوه، وإذا طلب منهم شيء أعطوه، وأمروا الناس بما يأمرون أنفسهم به». وقال ابن القيم في هذا الصدد: «أي أن أول من يعمل الخير في الدنيا هم أول من يدخل الجنة في الآخرة».
أيها المسلمون، التنافس في فعل الخير وعبادة الله أمر حسن يحث عليه القرآن والسنة النبوية، صلى الله عليه وسلم. فإذا لم يكن هناك تنافس، فلن تكون هناك همة وقوة وثبات. كما أن التنافس يزيل عنا الكسل والقصور اللذين أشرنا إليهما في الخطبة السابقة. هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم، وهم قدوة حسنة نقتدي بها.
عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن الأمم السابقة، قائلاً: «سيدخل منهم الجنة سبعون ألفاً دون حساب…»، قال سيدنا أوكاشا بن محسن: «هل أنا واحد منهم؟». فأجابه: «نعم»، فقام آخر وقال: «وهل أنا منهم؟». فأجابه: «لقد سبقك أوكاشا».
وقد حث الوحي في العديد من الآيات على القيام بأعمال الطاعة والأعمال الصالحة. يقول الله تعالى في القرآن الكريم حاثًّا على الصدقة:
أنفقوا مما رزقناكم قبل أن يحل الموت بأحدكم فيقول: «يا ربي! لو أعطيتني مهلة أخرى، لإنفقت بسخاء وكنت من الصالحين». لكن الله لن يمنح أحداً مهلةً عندما يحل أجله. إن الله يعلم تمامًا ما تفعلون.
يحثنا هذا الآية على أن نسارع بالإنفاق قبل أن يحول الموت والزمن بيننا وبين العبادة، عندما نندم لكن ذلك لن يفيدنا شيئًا ونصرخ: «يا رب! لماذا لا تمنحني مزيدًا من الوقت، لأعطي الصدقة؟”. لذا، ها أنت ذا، يا إنسان، في هذا الفضاء وفي هذه الحياة، أنفق ما تستطيع قبل أن يحل بك الموت.
قال ابن عباس، رضي الله عنهما: «من أخل بالزكاة والحج، فإنه يطلب إعادتهما عند موته. إنه يطلب أن يعود ليفعل ما لا يستطيع فعله الآن وهو على قيد الحياة، لكن الشيطان يجعله يخشى الفقر”. يقول الله تعالى: «يُوَعِدُكُمْ الشيطان بالفقر ويأمركم بالفحشاء».
كان نبينا، عليه السلام، يسارع دائمًا إلى فعل الخير وإعطاء الصدقة. يقول أبو سيروعة: «صليتُ خلف النبي، عليه السلام، في المدينة المنورة صلاة العصر، فأنهى الصلاة، ثم نهض بسرعة، قافزًا فوق الناس، متجهًا إلى غرف نسائه. فاندهش الناس من سرعته، ثم خرج فرأى أنهم مندهشون من سرعته، فقال: «تذكرت أن عندنا بعض الذهب، فخشيت أن يشغل بالي، فأمرت بتوزيعه».
********************
أيها المؤمنون! التنافس في أعمال العبادة أمر يثير الحماس ويزيد من وزن الحسنات. والحسنات كلمة شاملة لكل شيء. وكون المرء أول الواصلين إلى المسجد هو أحد أشكال التنافس في فعل الخير، خاصةً في صلاة الجمعة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو علم الناس ما في الأذان وفي الصف الأول (من الصلاة) من فضل، ولم يستطيعوا الحصول عليه إلا بالقرعة، لقرعوا». وهذا تحفيز من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته على الإسراع في الوصول إلى المسجد أولاً.
إذن ها هي الصف الأول، فلا تحرموا أنفسكم من هذه النعمة التي لا يعلم أجرَها إلا الله. تأملوا في كلمات الحبيب: «لو علم الناس…» وهذا يعني أن الناس لا يعلمون ما يوجد في الصف الأول.
كما تحدث عن الذهاب مبكراً إلى صلاة الجمعة. وورد عن أبي هريرة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة غسلًا كغسل الجنابة، ثم أسرع إلى المسجد في أول الوقت، فكأنما أضحى بجمل. وإذا ذهب في النصف الثاني من الوقت، فكأنما أضحى ببقرة. وإذا ذهب في الثلث الثاني من الوقت، فكأنما أضحى بكبش ذي قرنين. وإذا ذهب في الربع الأخير من الوقت، فكأنه ذبح دجاجة. وإذا وصل في الخمس من الوقت، فكأنه قدم بيضة. وعندما يخرج الإمام، تجلس الملائكة لتستمع إلى الذكر».
أيها المؤمن! كن من أوائل الحاضرين إلى صلاة الجمعة، وخصص يوم الجمعة لتلاوة القرآن والصلاة النوافل، وحضر في أول الوقت، واجلس في الصف الأول، وتلاوة القرآن واستمع إلى الخطبة كاملة. ولا تكن من أولئك الذين يدخلون في آخر الوقت ويزعجون الآخرين بدخولهم وخروجهم، وقد فاتهم الكثير من الخير بسبب تأخرهم.
يا عباد الله، الإسلام دين العزيمة والثبات واليقين، وليس دين الكسل والتراخي، فلتتنافسوا في الخير والطاعة، وفي ذلك يتنافس المتنافسون كما قال الله في القرآن.
يا الله، اهدنا، واغفر لنا ذنوبنا، واجعلنا نحب الحماس والثبات حتى نلتقي بك وتكون راضياً عنا. آمين
Español

