
أيها المسلمون، اتقوا الله وعبدوا ربكم سراً وعلانية، واشكروه فيزيّدكم، واطلبوا منه المغفرة فيغفر لكم، فإنه هو الغفور الرحيم.
اعلموا أن الإيمان له ستة أركان: الإيمان بالله، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، ويوم القيامة، والقدر، سواء كان خيرًا أم شرًّا. ومن أنكر أحدها، فليس له إيمان. وستركز خطبة اليوم على القضاء والقدر.
قال النبي ﷺ: «واعلم أن لو اجتمع الناس جميعًا لينفعوك بشيء، لما نفعوك بشيء لم يقدره الله لك؛ ولو اجتمعوا ليضرّوك بشيء، لما أضرّوك بشيء لم يقدره الله لك». وبهذا، يشير الحديث إلى معرفة أن الله قد خلق كل شيء وفقًا للقدر، لذا فإن الإيمان بالقدر، سواء كان خيرًا أم شرًّا، هو جوهر وأساس الإيمان، وهو معرفة أن الله يبتلِّ عباده بالخير والشر.
وقد ميز بعض العلماء بين «القضاء» و«القدر». وقالوا إن «القضاء» يشير إلى ما حدث بالفعل، أما «القدر» فيشير إلى ما لم يحدث بعد. ولذلك يقولون إن دعاء السحر (الثلث الأخير من الليل) هو سهم القدر. أي أنه يمكن أن يغير القدر الذي لم يحدث بعد. ويقول الله عز وجل: «يُبطِلَ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتَ مَا يَشَاءُ».
هو أعلم بما حدث، وما يحدث، وما سيحدث، وما لم يحدث، وكيف كان سيكون. وقال النبي ﷺ: «أقرب العبد إلى ربه هو في الثلث الأخير من الليل، فإذا استطعت أن تكون من الذين يذكرون الله في تلك الساعة، فافعل ذلك». كما قال الله تعالى، سبحانه وتعالى، عن المحسنين: «كانوا ينامون قليلاً في الليل، ويستغفرون في السحر».
إذا أصاب العبد بلاء في صحته أو ماله أو ابنه أو وفاة أحد أقربائه، فليقل «الحمد لله»، وليصبر، وليتطلع إلى الأجر، وليتوجه إلى ربه، لأن الله هو الذي قضى بذلك وأراده، لذلك يجب على العبد أن يتحلى بالصبر، وعندئذ ستخف المحنة ويهدأ قلبه، وسيكافأ مكافأة عظيمة على تصرفه هذا.
يقول الله عز وجل: «ما من شيء يحدث في الأرض أو في أنفسكم إلا وقد كُتب في كتاب قبل أن نخلقه. وذلك سهل على الله».
ورُوي عن أم سلمة، رضي الله عنها، أنها قالت: «سمعتُ النبي ﷺ يقول: (…) «ما من عبد يصيبه مكروه فيقول: «إننا لله وإننا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واجعل لي خيرًا منها» (من عند الله أتينا وإليه نرجع! يا الله، أجرني على هذه المحنة واستبدلها بخير منها!)، إلا أن يجزيه الله على هذه المحنة ويستبدلها له بخير منها». فقالت: «لما توفي أبو سلمة، قلت ما أمرني النبي ﷺ أن أقوله. فاستبدل الله لي (أبو سلمة) بأحسن منه: رسول الله ﷺ».
من يؤمن بالقدر، سواء كان خيرًا أم شرًّا، سيكون طيب البال ولن يكترث بحجم المحنة، ولن يلتفت إلى ألم القدر، لأنه من عند الله. يقول الله، سبحانه وتعالى، في كتابه: «قل: كل شيء من عند الله».
«لا تصيبكم مصيبة في الأرض أو في أنفسكم إلا وهي مكتوبة في كتاب قبل أن نخلقها. ذلك سهل على الله».
يا عباد الله، لكي يؤمن المؤمن بالقدر، عليه أن يتحلى بالشكر والصبر. الشكر عند نيل النعمة، والصبر عند فقدانها. قال الله تعالى: «ومن عمل خيراً في الدنيا، فله أجر حسن». وإذا كان العبد راضياً عن القدر، ورجع إلى الله قائلاً: «ما أعطى فهو لله، وما أخذ فهو لله»، فإنه ينتصر على الشيطان والنفس التي تحرض على الشر. تذكر يا إنسان أن كل شيء من عند الله. هل جئت بشيء معك عندما ولدت؟ إن الذي خلقك، ورباك، وأمداك بالرزق، وأحياك، لن يتخلى عنك، وهو أعلم بما هو خير لك. فإذا أعطاك، فاشكره، وإذا حرمك من شيء، فسبحه، لأنه، سبحانه، يعطي بحكمة ويمنع بعلم. استسلم للقدر. ولو رُفع الحجاب، لرضيت بما يحدث، سواء كان خيرًا أم شرًّا.
«حتى لو كان ذلك مكروهاً عندكم، فقد تكرهون شيئاً وهو خير لكم، وتحبون شيئاً وهو شر لكم. الله يعلم وأنتم لا تعلمون».
قال النبي ﷺ: «لا يكتمل إيمان العبد حتى يؤمن بقدَر الله، سواء كان خيرًا أم شرًّا، وحتى يعلم أن ما حدث كان لا بد أن يحدث، وما لم يحدث كان لا بد ألا يحدث».
اتبعوا مثال النبي ﷺ في السراء والضراء، واقرؤوا سيرته وادرسوا حياته لتدركوا كيف كان يتعامل مع القدر. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ مَثَلٌ حَسَنٌ لِمَنْ يَرجُّ اللهَ واليومِ الآخِرَ».
اللهم، امنحنا الصبر في أوقات النعم، والقدرة على شكر النعم، والصبر في أوقات الشدائد، وزدنا إيمانًا ويقينًا، وكن لنا حاميًا، وعونًا، وسندًا موثوقًا به.
Español

