
الحمد لله، الذي فرض علينا صيام رمضان وجعله أحد أركان الإسلام، ونسأله، سبحانه، أن يتقبل صلاتنا وصيامنا وقيامنا.
يا عباد الله! إن الصيام، ولا سيما صيام رمضان، هو من أفضل وأهم الأعمال الصالحة عند الله. وتحثنا الشريعة على الصيام، فهو يصقل الأخلاق، ويطهر النفس، ويمنعنا من اتباع الشهوات والشيطان. الصيام مدرسة للصبر والعزيمة واليقين، وقد سماه القرآن «صبرًا». يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا، استعينوا بالصبر والصلاة». والصبر في هذه الآية يشير إلى الصيام.
أيها المسلمون، لقد فرض الله عز وجل الصيام على كل شخص عاقل، بالغ، سليم، وقادر، سواء كان رجلاً أو امرأة، وهو ركن عظيم من أركان هذا الدين. قال النبي محمد ﷺ: «الإسلام يقوم على خمسة»، وذكر صيام رمضان. الإسلام دين شامل، ولا يصح ولا يجوز أداء بعض أركانه وترك البعض الآخر. والحفاظ على هذا الركن يتطلب فهم أحكامه وشروطه وواجباته وسننه وما يبطله وما يُحظر فيه. قال الرسول ﷺ: «من أراد الله له الخير، أهده الفهم في الدين».
أول الشروط التي تجعل الصيام واجباً هو التأكد من بداية شهر رمضان، حيث لا يصبح الصيام واجباً ما لم يبدأ شهر رمضان. ويتم هذا التأكد إما برؤية الهلال أو بإكمال الثلاثين يوماً من شهر شعبان. عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله ﷺ: «صوموا إذا رأيتموها، وأفطروا إذا رأيتموها، فإن لم تروا، فأكملوا ثلاثين يوماً من شعبان»».
الشرط الثاني هو بلوغ سن الحيض. ولا يُلزم الصيام على الطفل الذي لم يبلغ سن الحيض بعد، لأن الإسلام دين رحمة وتيسير، وليس دين مشقة وصعوبة. إنه دين الرحمة والشفقة تجاه الأطفال وكبار السن الذين لا يستطيعون تحمل الصيام. ولم يضع الله أي صعوبة في ممارسة العبادة.
إذا صام من لم يبلغ سن البلوغ، فإن صيامه صحيح، وإن لم يكن واجباً عليه.
الفدية هي إطعام شخص فقير عن كل يوم لا تستطيع فيه الصيام.
إذا تم تقديمها على شكل طعام فلا بأس بذلك، وإذا تم دفع قيمة الطعام، فهذا مسموح به أيضًا. ويُفضل اتباع الطريق الأسهل. أما فيما يتعلق بالمرض، فيجب استشارة الطبيب لمعرفة ما إذا كان الصيام مسموحًا به، وما إذا كان سيؤثر على شفاء المريض. سُئل الإمام أحمد: «هل يفطر المسلم إذا أصيب بالحمى؟» فأجاب: «هل من شيء أشد خطورة من الحمى؟».
من يصوم وهو مريض قد يكون قد ارتكب إثمًا بسبب مرض يؤثر على صحته، حيث إن الله عز وجل أمرنا بالعناية بصحتنا وأجسادنا، وأعطانا استثناءات تحمينا من إيذاء أنفسنا. والله يرضى باستخدام هذه الاستثناءات.
عباد الله، من شروط الصيام الإقامة، وهذا يعني أن المسافر ليس عليه الصيام.
في المذهب المالكي، يُستحسن الصيام، شريطة ألا يتعرض المسافر لأي ضرر. كما أن ترك الصيام من أجل السفر له شروط معينة، ولا يجوز لأي مسافر أن يترك الصيام.
أولاً، أن السفر هو سفر لفعل الخير، وليس سفراً لارتكاب المعصية، لذلك فإن من يسافر بقصد قبول رشوة أو تقديمها، أو من أجل الربا، أو لارتكاب جريمة، أو من أجل التزوير، أو الكذب، فلا يجوز له الإفطار، لأن إعفاءات الله لا تُستخدم في معصيته.
والثاني هو أن تكون رحلة يُقصر فيها الصلاة، أي أن المسافة تزيد عن 84 كيلومترًا.
والثالث هو أن يغادر مكان إقامته قبل بزوغ الفجر. لذلك لا يجوز له أن ينوي الإفطار ليلاً، ثم يخرج من بيته بعد الفجر (هذا وفقاً للفقه المالكي)، بل يجب عليه أن ينوي الإفطار ليلاً ويخرج قبل الفجر. أما من خرج قبل الفجر ولم ينوي الإفطار إلا بعد الفجر، فلا يجب عليه الإفطار، لأن الله عز وجل قال: «ولا تبطلوا أعمالكم».
لا يجوز الأكل أو الشرب أثناء أذان الفجر، لذا فإن بدء الأذان يعني أن النهار قد بدأ. كان نبينا ﷺ يمتنع عن الأكل والشرب لفترة قبل الأذان. سُئل أنس رضي الله عنه عن ذلك، فقال: «ما يعادل الوقت الذي يستغرقه تلاوة خمسين آية».
بعض الأشخاص داخل المسجد يشربون عند سماع الأذان، وهذا عمل مخجل. ومن الاحتياطات الأخرى أن تبدأ الإمساك قبل الأذان بقليل، حتى يتسنى لك الوقت الكافي لتنظيف أسنانك، والوضوء، وقراءة بعض آيات القرآن، والذكر، والاستعداد لأداء صلاة الفجر السنة.
اللهم، علّمنا ما نجهله، وقبِل صيامنا وصلواتنا رغم كثرة ذنوبنا وقلة خشوعنا.
Español

