فضل أيام التشريق

الحمد لله، الذي منح عباده أوقاتًا للتقرب إليه من خلال أعمال العبادة، والذين ستكون جنته مثواً لهم.

مع حلول ليلة أمس، ودّعنا الأيام المحددة واستقبلنا الأيام المعيّنة. يقول الله تعالى: «اذكروا الله في أيام معينة». وقال ابن عباس إن الأيام المعينة هي أيام التشريق، والأيام المحددة هي الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة.

أما الذكر المشار إليه في هذه الآية فهو التكبير بعد الصلوات المفروضة. الله أكبر! وقد قال النبي ﷺ في حديث رواه مسلم: «أيام التشريق أيام للأكل والشرب وذكر الله». وقد نهى النبي ﷺ عن الصيام في هذه الأيام. فهي أيام لإطعام الناس، وزيارة الأقارب، وتجديد أواصر الأخوة، وإنهاء أي نزاع أو انقسام أو سوء تفاهم بين الناس، حتى يسود السلام والمحبة والأمان. وما يُقصد بالذكر هو كل ما يذكرك بالخالق، العظيم الجليل، وأفضل ذكر هو تلاوة كتاب الله ليلاً ونهاراً. يقول الله عز وجل: «فاقرؤوا ما يسير عليكم من القرآن». وكل حرف من القرآن يُكافأ بعشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء. ورُوي عن أبي موسى، رضي الله عنه، أنه قال: «قال النبي ﷺ: “مثال من يذكر ربه ومن لا يذكره كمن هو حي ومن هو ميت”». فالمبتعدون عن ذكر الله هم أموات. وفي آية أخرى، يقول الله تعالى: «ومن يبتعد عن ذكري، فله حياة بائسة، وفي يوم القيامة نجمعه أعمى». وفي آية أخرى يقول: «وليس الأحياء بالموتى».

العيش في الغفلة هو بمثابة الموت، رغم أن المرء على قيد الحياة. قال أبو الحسن الأشاديلي: «من علامات النفاق أن يتعذر على اللسان الذكر، فاستوب وتسهل عليك». وقال أيضًا: «لا يترك المريد الذكر إلا إذا عصى ربه، فليرى إذن ما الذنب الذي ارتكبه». لماذا قال الإمام أشادلي إن ترك الذكر علامة على النفاق؟ الجواب هو، حسب فهم هذه الآية، أن المنافقين يتظاهرون بخداع الله، لكنه هو الذي يخدعهم. فعندما يستعدون لأداء الصلاة، ينهضون بكسل ويؤدونها ليرى الناس. وبالكاد يتذكرون الله. وقلة ذكر الله من سمات المنافقين، وترك الذكر أشد خطورة بكثير. ويقول أهل التصوف إن لكل شيء عقابًا، وعقاب الفقير هو ترك الذكر. وقد وعد الله عز وجل الذين يذكرونه بأجر عظيم. وقال: «[…] للذين يكثرون ذكر الله واللاتي يذكرن؛ أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً».

فقال النبي ﷺ: «إذا مررتم بحدائق الجنة، فتناولوا منها». فقالوا: «وما هي جنات الجنة يا رسول الله؟». فقال: «دوائر الذكر». فمن الممكن أن نزرع حديقة مثمرة من الجنة على الفور، إذا اجتمعنا حول ذكر الله في أي لحظة.

********************

يا عباد الله، إننا الآن في أيام الأكل والشرب وذكري الله. علينا أن نجدد عهدنا مع الله وأن نتخلص من إهمالنا ونسياننا. وما يُقصد بالذكر عند العارفين هو الذكر باللسان بقلب حاضر وموقر، مستمتعين بحلاوة الذكر. قال الله تعالى: «المؤمنون هم الذين إذا ذُكر الله اهتزت قلوبهم». قال ابن القيم: «إن الذكر بالقلب يثمر العلم، ويوقظ الحب، ويحيي التواضع، ويلهم التقوى، ويدعو إلى المراقبة». وأحب الأعمال إلى الله هو الموت في حالة ذكر الله. «إن في ذكر الله تقيّة قلوبكم».

يا عباد الله! للذكر شروط وآداب، فمن التزم بها واحترمها، كان في صحبة خالقه عندما يذكره. وقد أوحى الله إلى موسى: «يا موسى، ألا تود أن أعيش معك في بيتك؟ فسجد لله، ثم قال: يا ربي، كيف يكون ذلك؟ قال: يا موسى: (ألم تعلم أنني مع الذين يذكرونني، وحيثما يبحث عني عبدي، يجدني؟)».

ومع ذلك، فإن أولئك الذين غرقوا في الفظائع والآثام الجسيمة ويرتكبون الظلم، كيف سيبلغون حالة «الخوشو» (الخضوع)، وقد سودت قلوبهم بسبب الآثام التي يرتكبونها باستمرار؟ يُقال في التصوف: «التجلي» (التطهير) قبل «التزيين» (التجميل). ومن شروط الذكر تطهير مكان الذكر قبل القيام به، وهذا المكان هو القلب. فهل تضع العسل في إناء قذر؟ وبالمثل، لا يوجد الإيمان والخشوع في قلب نجس.

واتقوا الله الذي تطلبون بعضكم بعضاً بسببه، وبروا بالوالدين. واذكروا الله يذكركم، واشكروا الله على نعمه يزيّدكم، وذكري الله أعظم، والله يعلم ما تعملون.

اللهم، طهر قلوبنا وما نخفيه، وبارك أيامنا المباركة، واجعلنا من الذين يذكرونك باللسان والقلب، ولا تجعلنا من الغافلين. آمين.