
الخلاص يكمن في البقاء مع الجماعة. الحمد لله، لا إله إلا هو. لا شريك له ولا مثيل. إنه يتصرف في ملكوته كما يشاء. ولا يُسأل عما يفعل،
إن أمره، عندما يشاء شيئًا، هو أن يقول له: «كن!»، فيكون.
(36:82)
أشهد أن لا إله إلا الله. هذه هي الشهادة التي نختتم بها حياتنا في هذه الدنيا، ونبدأ بها حياتنا في الآخرة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء وسيد الشهداء، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المؤمنون! اتقوا الله، فإن من يتقيه يحفظه، واجعلوا التقوى زاداً لكم، فهي أفضل زاد.
اعلموا أن الخلاص يكمن في البقاء ضمن المجتمع، وأن الهلاك يكمن في الانفصال عنه. قال الله تعالى:
تمسكوا جميعًا بحبل الله، ولا تتفرقوا.
(3:103)
وتذكروا نعمة الله عليكم، عندما كنتم أعداءً فوحد قلوبكم، وبفضل نعمته أصبحتم إخوةً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم. هكذا يبين لكم آياته لعلّكم تهتدوا.
في هذه الآية، أمرنا الله عز وجل بالتمسك بحبل الجماعة وحذرنا من التشتت والانقسام. ففي الاتحاد خير وهداية، وفي الانقسام شر وضلال، وبالمصاحبة، فإن اثنين خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين.
إلخ. قال النبي محمد، صلى الله عليه وسلم: «من أراد أفضل مكان في الجنة، فليبقَ في الجماعة. فالشيطان مع المنفرد ومع من ينأى بنفسه عن الجماعة». وفي حديث آخر: «من مات منفصلاً عن الجماعة مات في الجاهلية». وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: «إذا كان في قرية أو بلدة ثلاثة لم يصلوا معًا، استحوذ عليهم الشيطان».
لقد حرم شرعنا كل ما قد يضر بالجماعة، وكل ما يؤدي إلى ظهور الفصائل والانقسام والارتباك. ولذلك، فإن الإسلام يحذر من كل ما يفرق بين المسلمين. وقد قال الله تعالى:
ولكن إن عارض أحد الرسول بعد أن اتضحت له الهداية، واتبع غير طريق المؤمنين، فسنسلمه إلى ما انحرف إليه، وسنحرقه في النار. يا لها من مصير سيئ!
(4:115)
لذلك، يجب عليكم الانضمام إلى الجماعة، فالذئب لا يفترس إلا الأغنام الضالة. يا عباد الله! تبدأ علامات الانقسام بإهمال الصلاة في المساجد.
لقد أمر الله المسلمين بالتجمع خمس مرات في اليوم، ويُنادون بعبارات: «هيا إلى الصلاة!»، «هيا إلى الفلاح!». والنجاح يكمن في الصلاة جماعة.
ماذا عن أولئك الذين لا يعرفون طريق المسجد إلا في صلاة الجمعة وأيام الأعياد؟ فهذا إهمال للصلاة جماعة، ما لم يكن هناك عذر مقبول. وقد حثنا الإسلام على كل ما يوحد القلوب، مثل التعاون في البر والتقوى، والتآخي، وإحسان رباط القرابة، وقبول الدعوة، والتكاتف في السراء والضراء، وكذلك إطعام الناس، وهو من صفات الصالحين. قال الله عز وجل وصفاً لهم:
إنهم يقدمون الطعام، رغم حبهم له، للفقراء والأيتام والأسرى قائلين: «إننا نطعمكم فقط رغبةً في رضا الله. ولا نريد منكم أي مقابل ولا أي شكر».
(76:8–9)
* * *
أيها المسلمون، لقد أمرنا الله، سبحانه وتعالى، بالتمسك الجماعة وطاعة الله ورسوله وذوي السلطة، أي من تولى مسؤولية الجماعة. وقال:
يا أيها الذين آمنوا! أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولياء الأمور منكم.
(4:59)
الجماعة التي لا أمير لها كالجسد الذي لا رأس له. كان نبينا، صلى الله عليه وسلم، يعين أميرًا ليحل محله أثناء سفره حتى عودته؛ ومن هنا تأتي أهمية هذا الأمر ومغزاه، حيث إن الأمة لا يمكنها الاستغناء عن من يقودها، ولو للحظة واحدة. فالأمير واجب وشرف.
كل شخص مسؤول – أمير، رئيس – يفي بواجباته ويعمل من أجل حقوق جماعته، سيحصل على أجر عظيم، وسيكون من بين الفئات السبع التي سيغمرها الله بظل عرشه. فقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مشهور الفئات السبع التي سيغمرها ظل الله، في اليوم الذي لن يكون فيه ظل إلا ظله؛ وقد ورد ذكر الحاكم العادل في مقدمة هذه الفئات، وذلك بسبب صعوبة تحقيق العدل.
وسيُسأل الأمراء عن أتباعهم، واحدًا تلو الآخر، والله أعلم بمن هم الضعفاء منهم ومن هم الأقوياء. ولذلك، في مذهبنا المالكي، يُستحب دفع الزكاة إلى الأمير، لأنه أكثر علمًا بمن هم في أمس الحاجة إليها. ومن دفع زكاته إلى قائد الجماعة، فقد أُعفي من المسؤولية، سواء كانت زكاة المال أو زكاة الفطر. والقيام بذلك عن طريق شخص آخر هو من الإخلاص: يقول الله تعالى:
إذا أعلنت صدقتك، فهذا خير. أما إذا أخفيتها وأعطيتها للفقراء، فهذا خير لك، وسنمحو عنك بعض سيئاتك. إن الله عليم بما تفعلون.
(2:271)
اتقوا الله، يا عباد الله، وحافظوا على دينكم، وتمسكوا بجماعتكم، وستنتصرون!
إذا كنتم تسعون إلى نصر الله، فتمسكوا بالجماعة. ويقول الله تعالى:
وإن كانوا ينوون خداعك، فإن الله كافٍ لك. فهو الذي ساندك بنصره وبالمؤمنين، ووحد قلوبهم. ولو أنفقت كل ما في الأرض، لما استطعت أن توحد قلوبهم. لكن الله وحدها. إنه العزيز الحكيم.
(8:62)
يا الله، احفظ مجتمعنا من الانقسام! ووحّد كلامهم وطهره!
أرشدوا شبابنا!
واهدِ أميرنا إلى ما تحب وما ترضى عنه! وكن لنا حامياً، وعوناً، ومساعداً!
وارحم إخواننا المظلومين، الذين يعانون منذ سنوات، ليلًا ونهارًا، من الدمار والخراب والقتال والتشريد والتعذيب!
اللهم، اهزم الظالمين والمعتدين الذين يفسدون ولا يصلحون أنفسهم!
يا الله، امنح النصر للمظلومين في كل مكان! يا الله، امنحنا الإيمان!
ولعلنا نموت تحت راية نبيك، صلى الله عليه وسلم! ولعلنا نُبعث في جماعة الصالحين!
واختم أعمالنا بالإيمان والإسلام والتوحيد! آمين.
Español

