الخلاص يكمن في البقاء ضمن الجماعة

الحمد لله، لا إله إلا هو. لا شبيه له ولا شريك له. إنه يتصرف في ملكه كما يشاء. لا يُسأل عما يفعل، فإذا أراد شيئًا قال له: «كن فكان». أشهد أن لا إله إلا الله. هذا هو الشهادة التي نختتم بها حياتنا في هذه الدنيا، والتي سنبدأ بها الحياة في الآخرة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء وسيد الشهداء، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المؤمنون! اتقوا الله، فإن من يتقيه يحفظه، واجعلوا التقوى زاداً لكم، فهي أفضل زاد.

اعلموا أن الخلاص يكمن في البقاء في حضن الجماعة، والهلاك يكمن في الانفصال عنها. قال الله عز وجل: «واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تتفرقوا. وتذكروا نعمة الله عليكم، عندما كنتم أعداءً فجمع بين قلوبكم، وبفضل نعمته أصبحتم إخوة، وكنتم على شفا بئر من نار فأنقذكم. هكذا يبين لكم آياته لعلّكم تهتدون».

في هذه الآية، أمرنا الله عز وجل بالتمسك بحبل الجماعة وحذرنا من التفرق والانقسام، لأن في الوحدة الخير والهداية، وفي الانقسام يقع الشر والضلال؛ وأنه في الجماعة، رجلان خير من رجل واحد، وثلاثة خير من اثنين، وهكذا دواليك. قال النبي ﷺ: «من أراد أفضل مكان في الجنة، فليبقَ في الجماعة. الشيطان مع المنفرد ومع من ينفصل عن الجماعة». وفي حديث آخر: «من مات منفصلاً عن الجماعة مات في حالة الجاهلية». وقال النبي ﷺ أيضًا: «إذا كان هناك ثلاثة في قرية أو مدينة، ولم يصلوا معًا، فإن الشيطان يسيطر عليهم».

لقد حرم شرعنا كل ما قد يضر بالجماعة، وكل ما يؤدي إلى ظهور الفصائل والانقسام والفتنة. ولذلك، فإن الإسلام يحذر من كل ما يفرق بين المسلمين. وقال الله عز وجل: «ومن يعصي الرسول بعد أن تبين له الهدى، واتبع طريقاً غير طريق المؤمنين، فسنتركه على ما اختار، ونلقيه في جهنم. يا لها من نهاية سيئة!».

لذلك، عليكم الانضمام إلى الجماعة، لأن الذئب لا يفترس سوى الأغنام الضالة.

يا عباد الله! تبدأ علامات الانقسام بإهمال الصلاة في المساجد.

أمر الله المسلمين بأن يجتمعوا خمس مرات في اليوم، ويُنادون بقول: «هايي على الصلاة»، «هايي على الفلاح». والفلاح يكمن في الصلاة جماعة.

ماذا عن الأشخاص الذين لا يعرفون الطريق إلى المسجد إلا في أوقات صلاة الجمعة والأعياد؟ هذا إهمال للصلاة جماعة، ما لم يكن هناك عذر مقبول.

لقد حثنا الإسلام على فعل كل ما يوحد القلوب، مثل التعاون في الإحسان والتقوى، واحترام روابط القرابة، والاستجابة للدعوة، والتكاتف في السراء والضراء، وكذلك إطعام الآخرين، وهو من صفات الصالحين. قال الله عز وجل واصفاً إياهم: «وكانوا يطعمون، رغم حاجتهم وتعلقهم به، الفقير واليتيم والأسير. «ما أطعمناكم إلا في سبيل الله».

أيها المسلمون، لقد أمرنا الله، سبحانه وتعالى، بالالتزام بالجماعة وطاعة الله ورسوله ومن لهم السلطة، أي من تولى مسؤولية الجماعة. وقال: «يا أيها الذين آمنوا! أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأطيعوا أولي الأمر منكم». الجماعة التي لا أمير لها هي كجسد بلا رأس. وكان نبينا ﷺ يعين أميرًا في مكانه أثناء رحلاته حتى عودته، مما يدل على أن أهمية ومغزى ذلك يعودان إلى حقيقة أن الأمة لا يمكنها الاستغناء عن من يقودها ولو للحظة واحدة. فالأمير واجب وشرف.

كل مسؤول، أمير، زعيم، وما إلى ذلك، يفي بواجباته ويعمل من أجل حقوق جماعته، سيحصل على أجر عظيم، وسيكون جزءًا من إحدى الفئات السبع التي سيظللها الله بظل عرشه، فقد حدد النبي ﷺ في حديث مشهور الفئات السبع التي سيُظللها الله يوم لا ظل إلا ظله؛ وقد ورد ذكر الحاكم العادل في المرتبة الأولى، وذلك بسبب صعوبة الوفاء بهذه المهمة.

وسيُسأل الأمراء عن أتباعهم واحدًا واحدًا، والله أعلم بمن هم الضعفاء منهم ومن هم الأقوياء. لذلك، في مذهبنا المالكي، يُستحسن أن تُدفع الزكاة إلى الأمير، لأنه أعلم بمن هم الأكثر احتياجًا؛ ومن يدفع زكاته إلى قائد الجماعة، يُعفى من المسؤولية، سواء كانت زكاة المال أو زكاة الفطر. والقيام بذلك عن طريق غيره هو من الإخلاص. قال الله تعالى: «إن أنفقتم الصدقة علانية فخير، وإن أخفيتموها وأعطيتموها للمحتاجين فذلك خير لكم؛ وسنغفر لكم جزءًا من سيئاتكم. والله عليم بما تعملون».

اتقوا الله، يا عباد الله، وحافظوا على دينكم، وتمسكوا بجماعتكم، فستنجحون.

إذا كنتم تسعون إلى نصر الله، فتمسكوا بالجماعة. يقول الله تعالى: «هو الذي ساعدك بنصره وبالمؤمنين، ووحد قلوبهم. ولو أنفقت ما في الأرض كلها لما تمكنت من توحيد قلوبهم، لكن الله وحدها».

اللهم احفظ مجتمعنا من الانقسام، ووحد كلمته وطهرها، واهد شبابنا، واهد أميرنا إلى ما تحب وما ترضى عنه. وكن لنا حارساً، وعوناً، ومساعداً، وداعمًا، وارحم إخواننا المضطهدين، الذين انتشر فيهم الخراب والدمار والقتال والتشريد والتعذيب، ليل نهار، على مدى سنوات.

اللهم، اهزم الظالمين والمعتدين الذين يفسدون الأرض ولا يتوبون. اللهم، امنح النصر للمظلومين في كل مكان. اللهم، امنحنا الإيمان، واجعلنا نموت تحت راية نبيك ﷺ، واجعلنا نبعث في جماعة المتقين، وختم أعمالنا بالإمام والإسلام والتوحيد. آمين