الحمد لله، خالق النهار والليل، الذي جعل في تعاقبها آيات لمن يتفكرون. وقد حدد مدة الحياة الدنيا ومهل كل إنسان ليعلموا أنها حياة زائلة وأن الآخرة هي المأوى الأخير. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد. وأن محمدًا عبده ورسوله المختار. اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع طريقه حتى يوم القيامة.
أيها المسلمون، اتقوا الله وتوبوا إلى ربكم قبل فوات الأوان، فإن التقوى هي أفضل زاد. قال الله عز وجل في سورة الزمر (39:5): «خلق السماوات والأرض بالحق، يجعل الليل يلتف في النهار والنهار يلتف في الليل...». قال الله تعالى في هذه الآية إنه خالق السماوات والأرض وما فيهما. وهو الذي يجعل الليل يلتف في النهار والنهار يلتف في الليل، وبتعاقبهما تمر الأشهر والسنين. وبمرور الوقت تنتهي حياتنا. مع كل غروب وشروق، نقترب خطوة خطوة من قبورنا. وسرعان ما نودع سنة شمسية قد انقضت من حياتنا، فطوبى لمن ملأوها بالأعمال الصالحة، ويا للأسف على من كرسوا وقتهم لارتكاب الأعمال السيئة. وسنرحب بعام جديد، ولا ندري كيف سيكون حالنا، وفي أي ظروف سنعيش. اللهم، اجعلنا نعيشه بالإيمان، واجعلنا من الصالحين.
عباد الله، مع مرور الأيام، هناك أمر يستدعي منا أن نحاسب أنفسنا وأن نتأمل ونفكر: هل نحن على الصراط المستقيم أم أننا ننحرف عنه؟
فمن كان على الطريق، فليستمر فيه؛ ومن ارتكب إثماً، فعليه أن يتوب قبل أن يحل به الموت. ويقول الله تعالى في سورة الزمر (39:55): «واتبعوا أفضل ما أنزل إليكم من ربكم قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم لا تشعرون». لقد أمرنا الله، سبحانه وتعالى، أن نرجع إليه ونعمل الصالحات قبل أن يحل بنا غضبه، وحذر الغافلين ونبههم من الإهمال، فإن الإهمال هو الطريق إلى الهلاك والدمار.
أيها المؤمنون، الحياة نعمة من الله. ومن يستثمرها في ما يرضي الله، فقد نجح، ومن يهدرها في الشهوات، فقد خسر. فمدى هذه الحياة قصير، وأنفاسنا معدودة. ومع مرور السنين، تشعر بأنك تقترب من لحظة الرحيل.
إذن، هل يسعدك أنك تقترب من النهاية أم يحزنك ذلك؟ هل تعلم أن الله سيسألك عن كل دقيقة وكل ثانية؟ وعن كل ساعة ويوم وأسبوع وشهر وسنة؟ ورد في حديث أبي برزة الأسلمي، الذي رواه الترمذي، أن رسول الله ﷺ قال: «لن تتحرك أقدام العبد حتى يُسأل عن حياته وكيف قضىها؛ وعن علمه وما فعل به؛ وعن ماله ومن أين كسبه وكيف أنفقه؛ وعن جسده وكيف استخدمه».
روى ابن عباس، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال لرجل وهو ينصحه: «استفد من خمس قبل أن تأتي خمس: شبابك قبل شيخوختك، وصحتك قبل مرضك، وثروتك قبل فقرك، ووقت فراغك قبل انشغالك، وحياتك قبل موتك».
أمره النبي ﷺ بأن يفعل خمسة أمور قبل أن تحدث خمسة أمور أخرى. وبدأ بالشباب لأنها مرحلة تمر بسرعة البرق. فلا تدع صحتك وجسمك في شبابك يخدعانك.
كل كبار السن الذين تراهم كانوا أقوى وأكثر صحة منك. أنت أيها الشاب، يمكنك أن تقرأ مصير شبابك في شيخوخة شخص آخر. وكما تحتاج الحياة إلى الصحة، فإن الآخرة تحتاج إليها أيضًا، لذا صلِّ واقفًا قبل أن تصلي جالسًا، وصم وأنت بصحة جيدة قبل أن تمرض. واغتنم الوقت قبل أن يحل الموت. اعمل في هذه الدنيا وكأنك ستعيش إلى الأبد، واعمل من أجل الآخرة وكأنك ستموت غدًا. واعلم أن الحياة الدنيوية ستنتهي، وأن الآخرة تقترب.
روى علي، رضي الله عنه، أن الرسول ﷺ قال: «لقد وُقِعت الحياة الدنيا وراءنا… والآخرة تقترب. ولكل منهم أبناء. فكونوا إذن من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. اليوم تعملون ولا حساب.
«غدًا سيُحاسب الناس ولن تكون هناك أعمال». رواه البخاري. هذه حقيقة لا يجهلها إلا الحمقى. العالم أشبه بسراب يخدع من يراه. ومثل الخيال، يخدع من يتوقون إليه.
يا عباده، خُصّصوا حساباتكم قبل أن تُخُصَّص لكم. العاقل هو الذي يحاسب نفسه ويعمل من أجل ما بعد موته. أما العاجز فيتبع شهواته وأهواءه. في الوقت الحاضر، تمر الأيام بسرعة شديدة. لقد مضى الزمن وتضاءلت البركة بسبب كثرة المعصية. قال بعض السلف: «نفرح بالأيام التي نكملها… وكل يوم يمر يقربنا أكثر من الأجل».
اعمل من أجل نفسك قبل أن تموت واجتهد في عملك. فالخسارة أو الربح مرتبطان بالأعمال. قال الله عز وجل في سورة المائدة (5:105): «إلى الله مرجعكم جميعًا، فيخبركم بما كنتم تعملون».
اللهم، بارك في حياتنا واجعل أفضل أعمالنا هي ختامها. فليكن أفضل أيامنا هو اليوم الذي نلتقيك فيه، يا جلالة وشرف. اللهم، اجعل الحياة زيادة في كل خير لنا؛ واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم، اهدِ شبابنا إلى دينك، واجعلهم يحبون الإيمان، وزينه في قلوبهم، واجعلهم يبغضون الكفر والعصيان، واجعلهم من الصالحين، واحفظهم من الرفقة السيئة بين شياطين البشر والجن. اللهم، بارك ديننا وأبقنا أحياء في الإيمان، واجعل أمتنا تعيش تحت راية نبيك، وأرسلنا باسم «لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ». إخواننا المضطهدون، أولئك الذين ابتليوا بالقتل والدمار والخراب، والذين يعانون من الإبادة الجماعية، ويشهدون ذلك صغارًا وكبارًا، اللهم ارحمهم واحميهم وأوقف إراقة دماء أطفالهم ورضعهم ونسائهم وشيوخهم. اللهم ارحم شهداءهم وتقبلهم. اللهم، اهزم الظالمين والمعتدين، فإنهم ليسوا خارج قدرتك. اللهم، أوكل أمورنا إلى خيرنا وارفع غضبك وسخطك. آمين.
Español

