تحدث المحنة بسبب الذنوب، والتوبة تخلصنا منها

الحمد لله، الذي جعل الحمد مفتاحًا لتذكيره وسببًا لنيل النعم الوفيرة؛ وجعل الماء مصدرًا للحياة لعبيده ومخلوقاته. هو الذي ينزل المطر عندما يكونون قد فقدوا الأمل، ويوسع رحمته. هو الصديق، الجدير بالحمد. وأشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا ﷺ هو عبده ورسوله، الذي قال: «كل أمر صعب سيخففه الله». والسلام والبركات المستمرة على آله وصحبه حتى يوم القيامة.

ونشكر الله على أنه أفرح قلوبنا بالمطر الذي ينهمر اليوم، والذي يخفف من الكرب والهم والألم. وكان نبينا ﷺ يترك قطرات المطر تتساقط على جسده، فسُئل: «لماذا تفعل هذا؟». فقال: «لأنها من عند الله». اللهم، امنحنا مطراً نافعاً، ونسألك بخيره وأفضل ما فيه.

أيها المسلمون، قال الله عز وجل: «لقد خلقنا من الماء كل شيء حي، ألا تؤمنون؟».

الجفاف والقحط محنة كبيرة واختبار صعب؛ فنعمة الماء يشكرها الشاكرون وينكرها الجاهلون.

لا شك في أن الله ينزل المطر على من يشاء ويمنعه عمن يشاء. يقول الله تعالى: «ألا ترى أن الله يدفع السحاب فيجمعه طبقات، وترى المطر يخرج من بطنه، ويجعل من السماء ومن الجبال التي فيها بَرَدًا يضر به من يشاء ويصون منه من يشاء؟». ولله الحكمة في ذلك، ولا يُسأل عما يفعل، أما هم فسيُسألون. وقد ورد في الأحاديث أن المطر يتأخر أو لا ينزل لسنوات بسبب الذنوب والمعاصي.

في عصرنا هذا، انتشرت في كل مكان الآثام والفساد، والظلم، والطغيان، والتبذير، وإنكار النعم، والفوضى، وسفك دماء الأبرياء. والخداع، والربا، والاستيلاء على أموال الغير. كل هذا يُعتبر عائقاً أمام هطول المطر، ويؤدي إلى الجفاف، وقسوة الله عز وجل.

عليكم أن تعلموا أن كنوز الله لا تنضب، ومفاتيحها هي «هو» و«هو كذلك».

ولكن بسبب ذنوبنا، امتحننا الله بقلة المطر، وتأخره، وهطوله خارج موسمه. وقد روي أن سيدنا عبد الله بن عمر قال: «جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يا مهاجرين! هناك خمس أشياء، إذا أصابتكم كبلاء، فإني أستعيذ بالله ألا تصيبكم…» ودعا لأصحابه ألا تصيبهم. لأنها تفسد المجتمع والأسر وتؤثر على الدين والدنيا. الأول هو أنه عندما تنتشر الفجور علانية في مجتمع ما، تنتشر الأوبئة والأمراض المجهولة التي لم يعرفها أسلافهم. وقد ظهرت الآن أنواع مختلفة من الفجور، وظهرت أمراض معقدة لا تفهمها الطب، على الرغم من التقدم التكنولوجي في هذا العصر. ويرجع ذلك إلى أنواع الفجور المختلفة التي يرتكبها الإنسان.

التلاعب بالمقاييس والأوزان يؤدي إلى الجفاف وقمع الحكام. وهذا ما أشار إليه نبينا ﷺ فيما يتعلق بأوقاتنا الحالية. والغش والخداع عند البيع أو الشراء يؤديان إلى الجفاف ونقص المياه.

قال النبي ﷺ: «رحم الله الرجل الذي يتسامح في البيع والشراء». ولذلك، فإن الغش في المعاملات يؤدي إلى التضخم ونقص الإمدادات. ثم تابع النبي ﷺ قائلاً: «وإذا امتنعوا عن دفع زكاتهم، فسيُحرمون من المطر». والمطر لا ينزل عليهم إلا بفضل الماشية. وهذا يدل على شدة غضب الله عليهم.

أيها المؤمنون! في هذه الأيام، هناك الكثيرون بيننا لا يدفعون زكاتهم، وقد حرموا المحتاجين من الحق الذي أعطاهم إياه الله. الزكاة ركيزة عظيمة من ركائز الإسلام، وقد ذكرها الله في القرآن الكريم في آيات عديدة، دائمًا جنبًا إلى جنب مع الصلاة. فكيف يمكنك أن تصلي دون أن تدفع زكاتك؟ كيف يمكنك أن تفصل بين فريضة الصلاة وفريضة الزكاة اللتين ربطهما القرآن الكريم ببعضهما البعض؟

يقول الله، سبحانه وتعالى: «ومن أموالهم، كان هناك جزء حق للمتسول والمعدم».

الامتناع عن دفع الزكاة هو أحد الأسباب الرئيسية للجفاف.

ثم يرد في الحديث ذكر الرابعة: «ولما نكثوا عهد الله وعهد رسوله… أنزل الله النصر لأعدائهم عليهم».

والخامسة هي: «وإذا لم يحكم حكامهم وفقاً لكتاب الله عز وجل ولم يختاروا ما أنزله الله، فإن الله يزرع العداوة بينهم. لأن شؤونهم قد تحولت إلى شؤون دنيوية؛ فزالت الرحمة من قلوبهم ونزل عليهم عذاب رب العالمين».

يا عباد الله، لا يُنزل العذاب إلا بسبب الذنوب، ولا يُرفع إلا بالتوبة. إن قلة المطر هي بسبب ما ارتكبه الناس. قال الله عز وجل: «لقد ظهر الفساد في البر والبحر مما اكتسبت أيدي الناس، ليجربوا بعض ما عملوا ولعلهم يعودون». لقد اعتدى الناس على الطبيعة بالتلوث والفساد والحروب. واعتدوا على الكون الذي أخضعهم الله له. لقد لوثوا الأرض والبحر والهواء. وأخلوا بالتوازن الطبيعي ضد أنفسهم، فأصابهم الله بما يرونه من نتائج: الجفاف وارتفاع الأسعار. لذا، فارجعوا إلى الله، أيها العبيد، لعلّكم تنجحون.

اللهم، أنزل المطر على عبيدك وبلادك وحيواناتك، وانشر رحمتك وأحيِ بلدك الميت. اللهم، امنحنا المطر ولا تجعلنا من بين المنكوبين. اللهم، أهدِ الأمة وخفِّض الأسعار. اللهم، أوكل أمورنا إلى خيرنا وازل عنّا كراهيتك وغضبك. احمِ المظلومين، يا الله، والضعفاء، ولا ترسل عليهم من لا يتقونك ولا يرحمونهم، وامنحهم النصر على أعدائهم، واهزم الظالمين والمعتدين أينما كانوا. اللهم، لا تهلكنا بذنوبنا ولا بذنوب غيرنا. آمين.