الحمد لله، الذي كرّمنا بالصيام وجعله أحد أركان الإسلام. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، الذي لا شبيه له، وأن محمدًا عبده الصادق الأمين، أفضل الناس في الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الحج، والصيام.
أيها المسلمون! اتقوا الله، واتقوه كما يجب أن يُتقى، واعلموا أننا في شهر فضّله الله على سائر الشهور، وأن القرآن الكريم قد نزل فيه، وهو الهدى للصالحين. واعلموا أيضًا أن مكافأة الصيام لا يعلمها إلا الله، سبحانه وتعالى.
روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال:
قال الله تعالى: «كل عمل لابن آدم هو له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي عليه. والصوم وقاية؛ لذا، فإن كان أحدكم صائمًا، فلا يقترب من زوجته، ولا يرفع صوته، وإذا شُتم أو ضُرب، فليقل: «إني صائم». والذي في يده روح محمد، إن رائحة فم الصائم أحسن عند الله من رائحة المسك. وللصائم فرحتان: فرحة عند الإفطار من الطعام، وفرحة عند لقاء ربه من صيامه».
معنى هذا الحديث هو أن الله عز وجل قد أظهر لعباده أجر كل عمل من أعمال العبادة، وأن أجر الحسنة يُضاعف عشرة أضعاف ويصل إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء، إلا الصيام، فأجره يحتفظ به الله لعبيده. وقد قال بعض العلماء إنه في يوم القيامة، حتى لو كان لك حساب مع الناس، فلن يسلبك أحد أجر الصيام، لأن الله قد احتفظ به للمصوم ليدخله به الجنة. فلماذا إذن يحتفظ الله بالصيام لنفسه ويقول: «إلا الصيام، فهو لي»؟ قال العلماء: «لأن الصيام هو العمل الذي يخلو من النفاق والرياء».
من الذي يمنع الصائم من الأكل والشرب وهو وحده؟ الجواب هو التقوى لله. ولذلك، فقد خصص الله أجرًا عظيمًا للصائم، لكنه يحتفظ به لنفسه.
يا عباده، الصيام يصقل النفس، ويهذبها، ويذللها، ويطهرها. ومن بين الناس الناجحين أولئك الذين عصوا أنفسهم لأكثر من خمس عشرة ساعة في اليوم، وامتنعوا عن الطعام والشراب. هؤلاء سيكونون من بين الناس الناجحين، فقد قال الله تعالى في سورة الشمس: «فقد نجح الذي طهرها (النفس)».
عباد الله، لقد أوضح الله عز وجل في القرآن الكريم أن النفس خُلقت مع الخير والشر، وأنه غرس فيها العصيان والطاعة. فإذا ربيتها على الخير وراقبتَها، فستكون نفسًا صالحة، أما إذا تركتها على هواها، فستقودك إلى الهلاك.
الصيام هو أحد الوسائل للتأثير على النفس. ولذلك، أمر به النبي ﷺ لمن لا يستطيعون الزواج، لأن الصيام يضعف قوى النفس والشهوة، وقال: «من استطاع الزواج فليتزوج، فإن ذلك يزيد من غض البصر وحماية العورة؛ ومن لم يستطع فليصم، فإن ذلك يهدئه». وقد أمر الله عز وجل بالاستعانة بالصوم: «يا أيها الذين آمنوا! استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين». والصبر المذكور في هذه الآية يشير إلى الصيام، وكلمة «الصبر» في اللغة العربية تعني الامتناع. ويُسمى الصيام «صبرًا» لأن الصائم يمتنع عن نفسه ويكبح رغباته.
أيها الصائم، لا تهمل نفسك بعد رمضان، واصل الصيام وقم بالقيام (الصلاة ليلاً بينما ينام الناس).
أيها المؤمنون، من بين آداب الصيام وكماله تقليل النوم خلال أيام رمضان حتى تتمكنوا من تجربة معنى الصيام، وهو الشعور بالجوع والعطش. فإذا قضيت النهار والليل في النوم خلال شهر رمضان، فستفقد معنى الصيام والصلاة، وستفقد أجرًا كبيرًا.
قال الإمام الغزالي إن هناك ثلاثة أنواع من الصيام. الأول هو صيام عامة الناس، وهو الامتناع عن الأكل والشرب والشهوات. ثم صيام الناس المميزين، وهو حماية الأذن والبصر واللسان واليدين والقدمين وأعضاء الجسد الأخرى من الوقوع في الشر. وأخيرًا، صيام الصالحين، وهو صيام القلب: كبح الأفكار الدنيوية والتجرد من كل شيء، إلا التفكير في الله.
اعلموا أن رمضان هو شهر المغفرة والتوبة والتقوى، وأن جبريل دعا على أولئك الذين دخلوا رمضان ولم يُغفر لهم، فاستجاب النبي لدعائه. أي أن من لا يلتزم بأسباب المغفرة في رمضان، فإن الله يبعده عنه، أو من يضيع ويهمل نعم شهر رمضان، فقد حرم نفسه من فرصة الحصول على كل أنواع الخير. لا أحد يعلم متى ستأتي ساعته، وهل سيعيشه مرة أخرى أم أن الموت سيأخذه قبله. كم من الناس صاموا العام الماضي وماتوا قبل بداية رمضان هذا؟! وكم من الأصحاء صاموا رمضان الماضي ثم مرضوا ولم يعودوا قادرين على الصيام؟! العقبات كثيرة! لذا، يا صائم، اغتنم صحتك قبل أن تمرض، وحياتك قبل موتك، وشبابك قبل شيخوختك، وثروتك قبل فقرك، ووقت فراغك قبل انشغالك. وصم كما يصوم الأذكياء، وكن مثابراً على فعل الخير في كل الشهور وفي كل زمان ومكان، لأنك لا تعلم متى سترحل إلى الآخرة.
اللهم، امنحنا التقوى وطهرنا. إنك خير المطهرين. أنت حافظنا ومالكنا. وتقبل صيامنا وصلواتنا. اجعلنا من المغفور لهم في شهر الصيام ومن المفلحين في شهر القرآن. ونجنا من كل ما يشتت الانتباه في هذا الشهر. يا رب، ساعد المظلومين والضعفاء الذين لا يرجون النصر إلا منك، يا رب العالمين.
ارحم موتاهم واشفِ جرحاهم. اهزم المعتدين الظالمين، فأنت الأقوى. آمين.
Español

