الحمد لله، الذي بفضل كرمه تُخفَّف المحن وتُصدَّ مؤامرات المتآمرين، بالثقة به. نشكر الله عز وجل على النعم التي أنعم بها علينا، ونحمده على إبعاد كل نوع من اللعنات عنا. كما أننا نثق به في السراء والضراء. أشهد أن لا إله إلا الله، وأنا من الذين يثقون بربهم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الصادق الأمين، المرسَل رحمة للعالمين ﷺ.
أيها المسلمون! قال الله تعالى: «فسبّ ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى تأتيك اليقين». وقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «أدِّ الصلاة وأنت في أقصى درجات الحمد والتسليم».
وأنا أعرف أولئك الذين يسجدون، أي أولئك القريبين من الله عز وجل، لأن السجود هو الحالة التي تقربك ممن تسجد له. قال النبي ﷺ: «أعظم حالات قرب العبد من ربه هي حين يكون ساجدًا، فاطلبوا بإخلاص». ثم قال: «اعبد ربك حتى يأتي اليقين». أي حتى الموت، والمقصود باليقين (اليقين) هو الاستمرار في عبادة الله، حتى نهاية الحياة، وهكذا يبلغ المريد الذي يكافح نفسه حالة اليقين. ذلك لأن التلميذ لا يقطع صلته بربه، وصلة التلميذ بربه هي المثابرة في الطاعة، والصبر، والشكر لله على ما أنعم عليه من النجاح، وعلى استخدامه في طاعته، وعلى إنقاذه من المعصية. قال النبي ﷺ: «إذا أحب الله عبداً، استخدمه»؛ فسألوا: «كيف يستخدمه يا رسول الله؟» قال: «يهديه إلى الحسنات ويأخذ روحه وهو في تلك الحالة». أي يمنحه ختاماً حسناً. وهذه هي أعلى درجات اليقين، التي يتوق الصالحون إلى بلوغها. قال الإمام ابن عشير، رحمه الله، عندما ذكر درجات اليقين التسع:
«[…] وهي: الخوف، والأمل، والشكر، والصبر، والتقوى… والزهد، والثقة، والقناعة، والمحبة». وقد بدأ ابن أشر الآية بـ«الخوف» لأنه دليل على الوعي بالله. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «إنما يتقون الله من عباده الذين علموا»، وفي الحديث القدسي: «لا أجمع لعبدي خوفين ولا قلقين. ومن خافني في هذه الحياة، منحتُه الطمأنينة في الآخرة، ومن ظن أنه في مأمن مني في هذه الحياة، منحتُه الخوف في الآخرة».
قال السالكون:
للخوف (الخوف) ثلاثة مستويات: هناك خوف يمر بالقلب ولا ينتج عنه أي تأثير، سواء داخليًا أو خارجيًا، وهذه حالة غير ذات أهمية. على سبيل المثال، تشعر بالخوف عند رؤية الموت أو القبر، وعندما تخرج من المقبرة تعود إلى عاداتك وأعمالك السيئة، وتخلط بين الأعمال الصالحة والسيئة. المستوى الثاني هو خوف أقوى يوقظ العبد من الغفلة ويجبره على الاستقامة، وهذا مستوى محمود ومطلوب. أما المستوى الثالث فهو رعب يتفاقم إلى درجة اليأس وفقدان الثقة في رحمة الله، وهذا المستوى غير مسموح به. والأفضل هو التمسك بالوسطية. يقول الله تعالى: «ما ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون».
عباد الله، إن اليقين، حسب رأي أهل العلم، له ثلاثة مستويات:
«علم اليقين» هو قبول ما أمر به الله ورسوله ﷺ من أوامر ونواهي، وقبول ما في عالم الغيب، وتفاصيله، وما سيحدث، مثل الحساب، والبعث، ووصف الجنة والنار، والصراط والميزان. وهذه من صفات العباد الذين يؤمنون بالغيب.
الدرجة الثانية هي «عين اليقين»، وهي مستوى أعلى من «علم اليقين»، لأنك ترى الأمر بأم عينيك.
ثم يأتي المستوى الثالث والأخير، وهو «حق اليقين». ولا يمكن بلوغ هذه الدرجة في هذه الحياة إلا للأنبياء والرسل. فقد رأى نبينا ﷺ الجنة والنار بأم عينيه، وسمع موسى عليه السلام كلام الله دون وسيط، والأمثلة على ذلك كثيرة. قال ابن القيم: «نبلغ حق اليقين في هذه الحياة، ويحدث ذلك عندما نتذوق ما في القرآن والسنة».
على سبيل المثال، تذوق حلاوة الذكر، واعثر على ما تتوق إليه فيه، خاصة في الحلوى، واحصل على حلاوة الإيمان، واستمتع بالصلاة وتلاوة القرآن، ولا تمل من تلاوة كتاب الله نهارًا وليلاً. كان أهل العلم يقولون: «إن في هذه الدنيا جنة، ومن لم يدخلها فلن يدخل جنة الآخرة». فشبه النبي ﷺ دوائر الذكر بجنات الجنة عندما قال: «إذا مررتم بجنات الجنة، فتناولوا منها»، فقالوا له: «ما هي جنات الجنة يا رسول الله؟»، فقال: «دوائر الذكر».
ويجب الإشارة هنا إلى حلقات تلاوة القرآن، مثل «الحزب» المعتاد الذي يُتلى بعد صلاة المغرب، وبعد صلاة الفجر، وحلقات الذكر، وحلقات العلم والدراسة، والتواجد بصحبة أهل الله، الذين لا يشغلهم العمل ولا التجارة عن ذكر الله.
أيها المؤمنون! حالة «الرجاء» تأتي بعد حالة «الخوف» المذكورة سابقًا. وترتبط هذه الحالة بتعلق القلب بأمل في أن يتحقق شيء ما في المستقبل. ولا يمكن تحقيق الرجاء إلا بالعمل، وإلا فإنه يظل مجرد أمنية. ويتجلى الرجاء في ثلاثة مستويات.
الأول هو التمسك بالأمل في رحمة الله، وطاعته، والابتعاد عن المعصية.
والثاني هو التمسك بالأمل في رحمة الله، مع ارتكاب الكثير من المعاصي، وهذا خداع.
والأخير هو الإفراط في التفاؤل إلى درجة الشعور بأن المرء في مأمن من مكر الله، وهذه الفئة ممنوعة علينا. يقول الله تعالى: «إنما يظن أن الناس في مأمن من مكر الله إلا القوم الضالون». فليمنحنا الله بركة القرآن الكريم.
نسأل الله أن يمنحنا حالة اليقين، وأن يحمينا من الانحراف والشك، وأن يحيي قلوبنا بالطاعة لله ورسوله ﷺ. وأن يجعلنا من الذين يستمعون إلى الكلام ويتبعون أفضل ما فيه. ورحم الله المظلومين في كل مكان، وأهلك الظالمين والمعتدين في كل مكان. آمين.
Español

