الفوتوة

الحمد لله، الذي جعل الأخلاق جزءًا من الدين، ورفع بمكارم الأخلاق من شأن المؤمنين والرحماء، ووعدهم بالجنة يوم القيامة.

أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد الذي لا شبيه له، وأن محمدًا ﷺ عبده ورسوله، والسلام والبركات على آله وأزواجه، حتى يوم القيامة.

أيها المؤمنون! اتقوا الله العظيم في السر والعلن، وتوبوا توبة تامة إلى ربكم، وتمسكوا بحبله جميعًا، ولا تتفرقوا، واحملوا زادًا، فإن أفضل زاد هو التقوى.

قال الله عز وجل في كتابه: «ليس الخير والشر متساويين؛ فردّ بالأفضل، وسيصبح من كنت تكنّ له العداوة صديقاً حميمًا. لكن هذا لا يناله إلا الصابرون، ولا يناله إلا من أنعم الله عليه بنعمة عظيمة». هذه الآية الكريمة الواردة في سورة «فصلت» تشير إلى أخلاق «الفوتوة»، أي النبل أو الرجولة. فما هي «الفوتوة» إذن؟

قال الإمام الفضيل: «الفوتوة هي التسامح مع أخطاء الإخوة». وبعبارة أخرى، هي التغاضي عن أخطاء الآخرين وعدم النظر إلى عيوبهم ونواقصهم. ويرد في كتاب ابن القيم: «[…] الفوتوة هي أن تكون لطيفًا مع الناس، وأن تمتنع عن إيذائهم، وأن تتحمل أذىهم». ومن يتأمل هذه التعريفات جيدًا، سيدرك أن الله سبحانه وتعالى قد لخصها في قوله: «ردّ الإساءة بالمعروف» (سورة المؤمنون، 96). أي أن ترد بأفضل ما يمكن على الإساءة التي ارتكبها أخوك، سواء عن قصد أو عن غير قصد.

رد على إساءته بالإحسان، وإذا كرر الإساءة، فكرر الإحسان حتى يتفوق إحسانك على إساءته. هذه هي مرتبة «الفوتوة» التي لم يبلغها إلا قلة من الناس. كما أن هذا هو جوهر التصوف الذي يحتاج إليه معظم الناس في عصرنا هذا. فإذا واجهت الشر بالخير، ستحول عدوك إلى صديق حميم. قال الله عز وجل: «والمُعَدَّا الذي كان بينك وبينه عداوة يصير صديقاً حميمًا». ولكن من يستطيع تحمل ذلك؟ الجواب يقدمه لنا الله في كتابه: «ولكن هذا لا ينجح إلا من صبر، ولا ينجح فيه إلا من أنعم الله عليه بنعمة عظيمة». تتطلب الفوتوة «الصبر الجميل». الصبر في وجه الشدائد، والسيطرة على النفس التي تصر على الرد على الشر بشر أشد. فالنفس تتوق إلى الانتقام الفوري. ألم يقل ربنا: «جزاء الشر شر مثله، ومن تغاضى وتصالح… فجزاؤه على الله». لذلك، فإن من يغفر يتفوق على من يرد الشر بالشر. «ولا ينجح في ذلك إلا من أنعم الله عليه بنعمة عظيمة». قال الطبري: «النعمة العظيمة هي الجنة».

سُئل أحد «العارفين» عن «الفوتوة»، فأجاب: «إذا أُعطيتُ نعماً، أردُّ بالشكر؛ وإذا حُرمتُ، أردُّ بالصبر». فقال السائل: «هذه هي حالة الكلاب بالنسبة لنا». فقال له: «ما هي الفتوة إذن؟». فقال له: «إذا أُعطينا، نُفضّل الآخرين، وإذا حُرمنا، نكون شاكرين». قال الإمام ينياد: «الفوتوة هي العطاء بسخاء والامتناع عن إيذاء الآخرين». وقال الإمام أحمد: «الفوتوة هي ترك ما تشتهيه خوفاً مما تخشاه».

يا عباد الله، إن «الفوتوة»، حسب تعريف «العارفين»، تعني إعطاء الأفضلية للآخرين، والامتناع عن التذمر، والتلطف مع الناس، وعدم إيذائهم. وتجاهل أخطائهم، ونسيان الأذى الذي ألحقوه بك.

أكمل الناس في الفوتوة هو نبينا ﷺ، لأن جميع الناس سيقولون يوم القيامة: «أنا، أنا» ― بسبب شدة الرعب―، فيقول هو: «أمتي، أمتي». قال ابن القيم: «الفوتوة هي تجنب ما يسيء وما هو بذيء في الكلام والأخلاق والأفعال». سُئل سفيان بن عويينة: «في أي موضع من القرآن ورد ذكر المروة؟» فقال: «في قول الله تعالى: «واتخذ العفو سبلًا، وأمر بالمعروف، وابتعد عن الجاهلين!»».

أيها المؤمنون! إن الفوتوة قد تتضرر، وتزول دون أن ندرك ذلك لأسباب عديدة، من بينها الشتم، والظلم، والعدوان، والغطرسة، واتباع الهوى. كما أن ترك الصلاة، أو أدائها خارج أوقاتها المحددة، أو الجهل بكيفية تصحيح ذلك، أو مرافقة من يهملون الصلاة ويرتكبون الأفعال المشينة، وكذلك إساءة معاملة الآخرين والأسرة، كلها أسباب تؤدي إلى إضعاف الفوتوة.

اللهم، ساعدنا على صقل أخلاقنا وقهر أنفسنا، ولا تتركنا لأنفسنا ولو للحظة واحدة. وكن لنا حارساً، وراعيًا، وناصراً، وعوناً. احفظنا على ديننا وأخلاقنا ومروتنا، ولا تدع شرفنا يتلطخ بسبب اتباع شهواتنا. احفظنا من النجاسة والشر. اجعلنا مشغولين بتصحيح عيوبنا بدلاً من النظر إلى عيوب الآخرين، واختم حياتنا بأفضل الأعمال. آمين.