الحمد لله، الغني، الكريم، الغفور، الرحيم، غافر الذنوب، الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة، القوي في العقاب، والمنعم بسخاء.
أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، والسلام والبركات على آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.
أيها المسلمون، اتقوا الله العظيم، واشكروه على نعمه، وسيمنحكم أكثر مما تطلبون. التفتوا إليه بكل إخلاص واطلبوا مغفرته لكي تشملكم رحمته.
قال معلمنا عبد الله بن مسعود: «في كتاب الله عز وجل آيتان، إذا أخطأ العبد وتلاهما ثم استغفر الله، غفر الله له». وهما: «أولئك الذين إذا ارتكبوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم، ذكروا الله واستغفروا ذنوبهم ― فمن يغفر الذنوب إلا الله؟ ― ولم يصروا على ما فعلوا بعد علمهم». وكذلك: «ومن يرتكب إثماً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله، يجد الله غفوراً رحيماً». ما أروع كتاب الله! إنه شفاء للقلوب، وبلسم للأحزان، ودواء لكل داء. إنه شفاء لما في القلوب، وهداية ورحمة للمؤمنين، ويدعو إلى التوبة والاستغفار، ويبث الأمل في قلوب من أخطأوا. إنه يفتح باب الأمل للأرواح المتعبة، ويوقظ الروح بعد فترة طويلة من الإهمال، فإن رحمة الله تسبق غضبه، وباب التوبة يبقى مفتوحًا ما دامت الحياة. ومن طلب المغفرة بنية صادقة ورجع إلى الله بإخلاص، فإن الله عز وجل سيقبل توبته، دون أن ينظر إلى ذنوبه السابقة، ويبدأ له عهدًا جديدًا، محولًا سيئاته إلى حسنات. يقول الله عز وجل: «إِلَّا مَنْ توبَ إِلَى اللهِ وآمنَ وعملَ صالحًا، فسيبدل اللهُ سيئاتهم حسناتٍ. واللهُ غفورٌ رحيمٌ».
يا عباد الله، طلب المغفرة يتطلب العزم والنية الصادقة وعدم الإصرار على ارتكاب الذنوب. أما طلب المغفرة مع الاستمرار في ارتكاب الذنب فهو توبة الكذابين.
يجب أن يقترن طلب المغفرة (الاستغفار) بالندم على الذنوب والأعمال السيئة التي ارتكبت في الماضي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الندم هو التوبة». كما يجب أن يكون المرء عازماً على عدم العودة إلى الذنوب التي كان يرتكبها في الماضي.
طلب المغفرة هو أحد أفضل الوسائل لمحو الذنوب والأخطاء والتكفير عن السيئات. يقول الله تعالى في حديث قدسي: «يا عبادي، إنكم ترتكبون الذنوب ليلاً ونهاراً، وأنا أغفر كل الذنوب، فاطلبوا مغفرتي وأغفر لكم». (رواه مسلم). وفي حديث آخر: «يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك سماءً سماءً، ثم طلبت مغفرتي، لغفرتُ لك ولم أكن لأبالي».
الاستغفار هو قوة وثقة للعبد من العقاب والعذاب. يقول الله تعالى: «ولكن الله لن يعاقبهم وأنت (يا نبي محمد) بينهم، ولا يعاقبهم ما داموا يستغفرون». قال أبو موسى الأشعري (رضي الله عنه): «كان هناك أمران يضمنان الأمان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد زال أحدهما، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أما الآخر فما زال قائماً، وهو الاستغفار، وسيبقى معكم حتى يوم القيامة». قال علي، رضي الله عنه: «لا يلهم الله عبداً أن يستغفر إذا كان في نيته أن يعاقبه». وقال أيضًا: «يدهشني من يهلك والخلود عنده». ولما سُئل ما هو، قال: «الاستغفار».
لذلك، أيها المؤمنون، تكثروا من الاستغفار وتوبوا توبة تامة إلى الله، وندموا على الذنوب والأخطاء التي ارتكبتموها، وصححوا نواياكم أمام ربكم وقلوبكم لعلّ الله يمنحكم ختاماً حسناً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن وجد في سجله الاستغفار».
اللهم، اجعلنا من المستغفرين في الثلث الأخير من الليل، وقبل توبتنا، وغطِّ ذنوبنا، واغفر لنا أخطاءنا، وقبل توبتنا، فأنت التواب الرحيم. ارحمنا، فأنت أرحم الراحمين. أنت حامينا وناصري، خير الحاميين وخير الناصرين.
اللهم، بارك في مجتمعنا وأميرنا، واجعلنا من أولئك الذين يضعون أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، ويغيرون ما في أنفسهم.
اللهم، امنح جميع المظلومين العذوبة وارفع من مرتبتهم في الآخرة، واجعل مضطهديهم يحاسبون أمام عدلك يوم القيامة. آمين.
Español

