الحمد لله، الذي كرّم بيوته بالذكر والطاعة، وجعلها أماكن للهدوء والرحمة. أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، والسلام والبركات على آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المؤمنون، أيها الصائمون، أيها الرجال والنساء! اتقوا الله العظيم واشكروا نعمه، فسيمنحكم أكثر مما تطلبون. توجهوا إليه توجيهاً كاملاً، لأنه هو الغفور الرحيم (التواب، الرحيم). اعلموا أن ديننا يحثنا على حسن الخلق ويهدينا إلى أحسن الأخلاق التي ترفع من شأن المسلم وترتقي به إلى أعلى المراتب، مما يمكّنه من إحياء الفرائض التي فرضها الله علينا.
يقول الله تعالى: «(…) ومن يكرم شعائر الله… فذلك من تقوى القلوب». ومن بين شعائر الله احترام بيوت الله (المساجد) إكبارًا، فقد أمرنا الله أن نكرمها، وأن نحافظ على السلوك اللائق داخلها، وكذلك أن نحافظ على التركيز والتأمل في داخلها. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: «في بيوت أذن الله أن تُبنى، ويُذكر اسمه فيها، ويُسبح فيه صباحًا ومساءً، رجال لا تشتتهم التجارة ولا البيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. يخشون يوماً تتعثر فيه القلوب والأبصار». (القرآن: سورة النور، 36-37)
من آداب بيوت الله الإخلاص في نية الذهاب إلى المسجد. فنية المؤمن هي أداء الصلاة، وميزة الصلاة جماعة هي أن أجرها يزيد سبعة وعشرين ضعفاً عن أجر الصلاة منفرداً. وكذلك ذكر الله (الذكر) والبحث عن العلم. فلكل خطوة يخطوها المؤمن نحو المسجد، يحصل على أجر عظيم. روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تطهر في بيته وسار إلى إحدى بيوت الله (المساجد)، للوفاء بواحدة من فرائض الله، (فسيجد) أن كل خطوتين (ستكونان مهمتين)، إحداهما تمحو ذنوبه والأخرى ترفع مكانته درجة». وبالمثل، من آداب المسجد خفض الصوت وعدم إزعاج المصلين، أو الذين يقرؤون القرآن، أو يذكرون الله، أو الذين يجلسون في حلقة علم؛ باختصار، عدم إزعاج ضيوف الرحمن. وهناك من يزعج الناس داخل المسجد بالتحدث أثناء تلاوة القرآن، وأثناء الدروس، وأثناء صلاة التراويح. وقد حرم الله عز وجل ذلك في القرآن: «وَمَا تُلَوتَ من القرآن فاصغوا إليه واسكتوا لعلكم ترحمون». (القرآن الكريم: سورة الأعراف، الآية 204)
أيها المسلم، أيتها المسلمة! التزموا الصمت وكبحوا ألسنتكم، ولا تفسدوا أعمالكم الصالحة دون قصد. بل حتى إذا وصلت إلى الصلاة وقد بدأت بالفعل، واضطررت إلى استكمال الركعات التي تُتلى فيها الآيات بصوت عالٍ، فاتلو بصوت خافت! اقرأ بصوت منخفض، بحيث لا تسمع إلا نفسك. وينطبق هذا على الصلاة. أما الأحاديث والضحك واللعب أثناء تلاوة القرآن أو أثناء درس في الحديث النبوي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهي ممنوعة وتعد خطيئة جسيمة.
رفع الصوت أثناء تلاوة القرآن هو عادة من عادات أعداء القرآن. يقول الله تعالى: «ويقول الذين كفروا: لا تستمعوا إلى هذه التلاوة، وحاولوا إسكاتها (بالأصوات والضوضاء)، لعلكم تغلبون». وفي آية أخرى يقول: «يا أيها الذين آمنوا! لا تسبقوا الله ورسوله». ومن الأمور المكروهة أثناء الصيام الأحاديث التي لا معنى لها، والأحاديث عن أمور الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يترك الباطل ويعمل به، فلا حاجة لله أن يترك طعامه وشرابه». الصيام هو الصيام، ولكنه يعني أيضًا كبح اللسان، خاصة داخل المسجد، وعند سماع تلاوة كلام الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم. ومن يتكلم ويشوش على الناس أثناء دراستهم أو قراءتهم، فقد أخطأ في حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا! لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي (…)». قال إمامنا مالك: أي «سواء كان حياً أو ميتاً». ومن آداب بيوت الله النظافة، فيجب على من يتوجه إلى المسجد أن يكون نظيفاً ومهندماً، وأن يكون طاهراً في قلبه ومظهره الخارجي. «يا بني آدم! ارتدوا أفضل ملابسكم وأطهرها في كل مكان للصلاة» (القرآن: سورة الأعراف، الآية 31).
كما يتجلى الأدب في كتم أصوات الهواتف المحمولة وقطع جميع أنواع التواصل. فالتواصل مع الله كافٍ. ومن آداب المسجد أيضًا الحفاظ على النظام وملء الصفوف الأمامية، صفًا تلو الآخر، خاصةً يوم الجمعة. ويرد في الحديث: «لو علم الناس مقدار الفائدة التي يمكن أن يجنوها من الأذان ومن الوقوف في الصفوف الأمامية في صلاتهم، لكانوا سارعوا إلى ذلك لو لم يكن هناك سبيل آخر. ولو علموا مقدار الأجر الذي ينالونه بالوصول مبكرًا إلى المسجد، لتنافسوا على ذلك».
اللهم، حسّن أخلاقنا، وأرنا الحق حقاً، وأعطنا القدرة على اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وأعطنا القدرة على تجنبه.
اللهم، تقبل صيامنا، واحفظ ألسنتنا من الثرثرة، ومن البذاءة، ومن الألفاظ البذيئة، واجعلنا من الفائزين في شهر رمضان هذا.
اللهم، احفظ أميرنا ومجتمعنا، واحفظنا من الفتن، سواء كانت ظاهرة أم خفية.
اللهم، احفظ إيماننا وأولادنا، وابتعد عنا غضبك وسخطك. آمين.
Español

