الحمد لله، الذي يفتح أبواب الرحمة لمن يتوبون إليه توبة تامة، ويقبل توبة عباده، ويحول لهم السيئات إلى حسنات.
أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. فليكن السلام والبركات من الله على آله وصحبه والتابعين.
أيها المؤمنون، رجالاً ونساءً! أحثكم، وأحث نفسي، على التقوى من الله في السر والعلن. يقول الله تعالى: «وَرَجِعُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا، يَا مُؤْمِنِينَ، لَعَلَّكُمْ تَفْلَحُونَ».
فاطلبوا المغفرة من ربكم، فإنه هو الغفور الرحيم.
يا عباد الله! نواصل استخلاص الحكمة والهداية من حديث رسول الله ﷺ الذي رواه الطبراني عن ابن عمر —رضي الله عنهما—، الذي قال: إن رسول الله ﷺ قال: «أما الكفارات فهي: انتظار الصلاة التالية بعد إتمام الصلاة، والوضوء بدقة في حالة الشدة، وحضور الصلاة الجماعية».
لقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى ما قدره الله لمحو الذنوب والأخطاء التي نرتكبها من حين لآخر. لا أحد في مأمن من المعاصي والأعمال السيئة، كما قال النبي ﷺ: «كل ابن آدم يخطئ، وأفضلهم من يتوب».
ومن رحمة الله العظيمة أنه أرشدنا إلى ما يصلح أخطاءنا وزلاتنا.
الأمور الثلاثة المذكورة هي التالية:
أولاً: أداء الوضوء بدقة في حالات الشدة. أي عندما يصعب الحصول على الماء، أو بسبب البرد، أو عندما يغلب الكسل على الشخص في لحظة معينة. في تلك الظروف، يؤدي أداء الوضوء بشكل صحيح إلى زيادة الأجر بشكل كبير، كما يمحو الله الذنوب بواسطته.
كما أن الحفاظ على الوضوء هو إحدى العلامات الخارجية للإيمان. فقد قال النبي ﷺ: «لا يحافظ على الوضوء إلا المؤمن».
يُنصح بإعادة الوضوء لكل صلاة، حتى لو لم يبطل، لأن أجره عظيم عند الله، سبحانه وتعالى.
إن أداء الوضوء بشكل صحيح يعني إتقانه وإتمامه وتنفيذه بالكامل، مع الوفاء بواجباته ومستحباته، وتجنب ما يفسده. فمع كل قطرة ماء تنزل على الوجه واليدين، تزول ذنبة. فماء الوضوء يمحو الذنوب التي ترتكبها العينان والأذنان واللسان.
يقول الله، سبحانه وتعالى: «إن الله يحب التائبين والمتطهرين».
والعمل الثاني الذي يمحو الذنوب هو خطواتنا نحو المسجد. فكل خطوة تخطوها، أيها المؤمن، نحو المسجد تمحو ذنباً وترفعك درجة. قال النبي ﷺ: «من تطهر في بيته ثم سار إلى إحدى بيوت الله لأداء إحدى الصلوات المأمورة، فإن كل خطوة يخطوها تمحو ذنباً وترفع درجة».
يقول الله، سبحانه وتعالى: «إنما يبقى في مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة، ولا يخشى إلا الله».
إن التواجد في المسجد يعني الاقتراب منه بهدوء واحترام، والحفاظ على نظافته وسلامته، والامتناع عن إزعاج الآخرين، واحترام المصلين، والسيطرة على الأطفال الصغار الذين يصرخون ويلعبون أثناء الخطبة والصلاة.
لقد أوضحنا مرارًا وتكرارًا أن السماح للأطفال بمرافقة أسرهم إلى بيوت الله أمر مستحسن، ولكن بشروط: أن يمتنعوا عن الإزعاج وإحداث الضوضاء عندما يُطلب منهم ذلك، وألا يزعجوا الآخرين. أما إذا تسببوا في إزعاج مستمر، فلا يجوز اصطحابهم بهذه الطريقة.
ومن بين الذين سيكونون في ظل عرش الله: «من كان قلبه متعلقاً بالمساجد». وهو الذي يهتم بالمسجد، مادياً وروحياً على حد سواء، ويتمتع بأدب رفيع لأنه ضيف الرحمن. ولذلك سيحصل على أجر عظيم ما دام لا يزعج الآخرين.
يغفر الله ذنوبه بفضل الخطوات العديدة التي يخطوها نحو المساجد، إذا صلى وغادر دون ارتكاب ذنوب أو إزعاج، متصرفاً بطريقة تليق ببيوت الرحمن.
المسألة الثالثة التي تمحو الذنوب هي انتظار الصلاة التالية بعد الانتهاء من الصلاة السابقة. قال النبي ﷺ: «هذا هو الرباط». وقال أيضًا: «تدعو الملائكة لأحدكم ما دام في مكان صلاته ولم يفسد وضوؤه، قائلين: «اللهم اغفر له! اللهم ارحمه!»».
هذا شرف عظيم: أن تستغفر لك ملائكة الرحمن وأنت جالس تنتظر لقاءك بالله.
يا عباد الله! الجلوس في المسجد هو عمل عبادة نبيل. الجلوس للتأمل في ملكوت الله وعظمته، والجلوس لتلاوة كتاب الله، وأداء الصلوات النافلة، والدراسة في حلقات العلم داخل المسجد. وبكل ذلك، يمحو الله الذنوب، ويغفر الصغائر، ويمحو السيئات.
يقول الله عز وجل: «في بيوت أذن الله أن تُبنى وتُذكر فيها اسمه، ويُسبح فيه صباحاً ومساءً رجال لا تشتتهم الأعمال والتجارة عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. يخشون يوماً تتعطل فيه القلوب والأبصار».
هذه ثلاثة أعمال بسيطة لمن ييسرها الله، وأجرُها عظيم. فمن خلالها تُغسل الذنوب كما تتخلص الثياب البيضاء من الأوساخ. فلا يستخف أحدكم بهذه الأعمال، فإن العمل الصغير قد يكون عظيمًا عند الله.
واعلموا أن هذه الكفارات لا تعفي من الواجبات ولا تمحو الذنوب الكبرى. فحقوق الناس لا تُكفَّر بالوضوء ولا بالصلاة ولا بحضور المسجد.
أقول هذا وأستغفر الله عز وجل، عن نفسي وعنكم. فاطلبوا مغفرته، فإنه الغفور الرحيم.
يا الله! أرنا الحق على حقيقته، وامنحنا القدرة على اتباعه. أرنا الباطل على حقيقته، وامنحنا القدرة على تجنبه. أعطِ كل واحد حقه، ولا تهلكنا بسبب أخطائنا ولا بسبب أخطاء الآخرين. وابعد عنا غضبك وسخطك، وارزقنا، فأنت خير الرازقين.
يا الله! احفظ مجتمعنا وأميرنا، وامنحنا جميعًا الإلهام والقوة لنتمكن من تكريس جزء من طاقتنا ووقتنا لتلبية الاحتياجات التي يتطلبها الحفاظ على مجتمعنا.
آمين.
Español

