تأملات حول مرور الزمن

الحمد لله، الذي جعل الليل والنهار يتناوبان لمن أراد أن يتذكر أو يشكر؛ عبرة لأصحاب العقول وتذكير لمن لديه قلب أو يستمع وهو حاضر.

أشهد أن لا إله إلا الله، الواحد، لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. والسلام والبركات على آله وصحبه أجمعين.

أيها المسلمون! اتقوا الله! وعبدوا ربكم في الخفاء والعلن، واشكروه على نعمه ليزيدكم منها.

يا عباد الله! في غضون أيام قليلة فقط سنودع عامًا من التقويم الهجري ونستقبل عامًا آخر، سيظهر هلاله قريبًا. والسؤال هو: ماذا قدمنا خلال العام المنصرم؟ وماذا أعددنا للعام القادم؟

طوبى لأولئك الذين عملوا الصالحات لأنفسهم واستعدوا للآخرة. وويل لأولئك الذين يضيعون وقتهم في ما يغضب الله، وفي التفاهات والألعاب والإهمال!

يقول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله ولينظر كل واحد ما أعدّ للغد. واتقوا الله؛ إن الله خبير بما تعملون».

وقال النبي ﷺ: «العاقل هو الذي يضبط نفسه ويعمل من أجل الآخرة، والأحمق هو الذي يتبع شهواته ويعتمد على أن الله سيحقق له رغباته».

أيها المسلم! عليك أن تعلم أن هذه السنة التي توشك على الانتهاء هي شهادة ستشهد لصالحك أو ضدك. يقول الله تعالى: «ومن عمل مثقال ذرة خير فسيراه، ومن عمل مثقال ذرة شر فسيراه».

كل يوم يمر هو جزء من الحياة يضيع، ومهلة تقترب، وسجل يُغلق. قال الحسن البصري: «يا ابن آدم! ما أنت إلا مجموعة من الأيام؛ فكل يوم يمر، يذهب جزء منك». وقيل أيضًا: «الزمن كالسيف؛ إن لم تقطعه، فسيقطعك». وقال أحد الحكماء: «من يمضي يومًا دون أن يؤدي واجبًا أو ينفذ مهمة، فقد أضر بنفسه وأهدر وقته».

كما حثنا النبي ﷺ على تكريس وقتنا للأعمال الصالحة، قائلاً:

«استفد من خمس أشياء قبل خمس أخرى: شبابك قبل شيخوختك، وصحتك قبل مرضك، وثروتك قبل فقرك، ووقت فراغك قبل أن تصبح مشغولاً، وحياتك قبل أن يحل الموت».

يا لها من حكمة عظيمة! هناك خمس أشياء قيّمة في متناول يدك. فالشباب كنزٌ إذا استُثمر في طاعة الله والأعمال الصالحة، ومصيبةٌ إذا أُهدر في الشهوات والنزوات والإهمال واتباع الشيطان والرفقة السيئة.

ستتبع قوة الشباب الشيخوخة، ومعها فقدان النشاط. عندها ستتذكر الوقت الذي أهدرته وستندم على ما فاتك، لكن الندم لن يكون له نفس القيمة بعد ذلك.

وينطبق الأمر نفسه على الصحة، التي تختفي مع المرض والشيخوخة ومرور السنين.

أما بالنسبة للحياة، التي يتبعها الموت حتماً، فيقول الله تعالى:

«عندما يحين الموعد المحدد لهم، لن يتمكنوا من تأخيره أو تقديمه ولو بساعة واحدة».

وبناءً على ذلك، لا ينخدع الحكيم بهذا العالم ولا بزخارفه، فهي زائلة وعابرة. إنها ليست سوى ظل سرعان ما يختفي.

وهذه حقيقة صحيحة كان العرب يؤكدونها من قبل، كما قال النبي ﷺ: «إن كل ما عدا الله باطل، وكل متعة لا بد أن تزول».

أيها المؤمنون! اعلموا أن هذه الدنيا جسر إلى الآخرة. اعبروا عليها ولا تستقروا فيها.

يقول الله عز وجل: «فلا تغريكم الحياة الدنيا ولا يخدعكم المغري فيبعدكم عن الله».

اعملوا من أجل رزقكم ولا تؤجلوا عمل اليوم إلى الغد، فكل يوم له مهمته الخاصة.

اجتهدوا في طاعة الله ورسوله ﷺ، وأوفوا بالحقوق الواجبة عليكم قبل أن يحل بكم الموت.

اللهم! امنح أرواحنا التقوى التي يجب أن تتحلى بها، وطهرها، فأنت أفضل من يطهرها. اجعلنا من الذين يستمعون إلى الكلمة ويتبعون أفضل ما فيها. واجعلنا نعمل بما يرضيك أنت ورسولك ﷺ.

اجعل هذا العام المبارك يأتينا بالازدهار والبركة والسلام والسعادة. اجعلنا من الفائزين ونجنا من الخاسرين.

يا الله! بارك جماعتنا وأميرنا، واجعلنا جميعًا أشخاصًا ينخرطون باستمرار في أعمال تتجاوز المصلحة الشخصية، ساعين إلى خير من حولنا. وزد من التزامنا حتى لا يمر علينا يوم واحد دون أن نسعى إلى إقامة الحق. آمين.